سيد قطب

728

في ظلال القرآن

إن أوروبا بقانونها الدولي - وكل ما تفرع عنه من المنظمات الدولية - لم تبدأ في هذا الاتجاه إلا في القرن السابع عشر الميلادي ( الحادي عشر الهجري ) . ولم يزل هذا القانون - في جملته - حبرا على ورق ؛ ولم تزل هذه المنظمات - في جملتها - أدوات تختفي وراءها الأطماع الدولية ؛ ومنابر للحرب الباردة ! وليست أداة لإحقاق حق ؛ ولا لتحقيق عدل ! وقد دعت إليها منازعات بين دول متكافئة القوى . ولكن كلما اختل هذا التكافؤ لم يعد للقوانين الدولية قيمة ، ولا للمنظمات الدولية عمل ذو قيمة ! أما الإسلام - المنهج الرباني للبشر - فقد وضع أسس المعاملات الدولية في القرن السابع الميلادي ( الأول الهجري ) . ووضعها من عند نفسه ؛ دون أن تضطره إلى ذلك ملابسات القوى المتكافئة . فهو كان يضعها ليستخدمها هو ، وليقيم المجتمع المسلم علاقاته مع المعسكرات الأخرى على أساسها . ليرفع للبشرية راية العدالة ، وليقيم لها معالم الطريق . ولو كانت المعسكرات الأخرى - الجاهلية - لا تعامل المجتمع المسلم بتلك المبادئ من جانبها . . فلقد كان الإسلام ينشئ هذه المبادئ إنشاء وللمرة الأولى . . وهذه القواعد للمعاملات الدولية متفرقة في مواضعها ومناسباتها من سور القرآن ، وهي تؤلف في مجموعها قانونا كاملا للتعامل الدولي . يضم حكما لكل حالة من الحالات التي تعرض بين المعسكر الإسلامي والمعسكرات الأخرى : محاربة . ومهادنة . ومحالفة . ومحايدة . ومرتبطة مع محارب ، أو مهادن ، أو محالف ، أو محايد . . . إلخ . . وليس بنا هنا أن نستعرض هذه المبادئ والأحكام ( فهي جديرة ببحث مستقل يتولاه متخصص في القانون الدولي ) . ولكننا نستعرض ما جاء في هذه المجموعة من الآيات في هذا الدرس . . وهي تتعلق بالتعامل مع الطوائف التالية : « أ » المنافقين غير المقيمين في المدينة . « ب » الذين يرتبطون بقوم بينهم وبين المسلمين ميثاق . . « ج » المحايدين الذين تضيق صدورهم بحرب المسلمين أو حرب قومهم كذلك . وهم على دينهم . « د » المتلاعبين بالعقيدة الذين يظهرون الإسلام إذا قدموا المدينة ويظهرون الكفر إذا عادوا إلى مكة . « ه » حالات القتل الخطأ بين المسلمين والقتل العمد على اختلاف المواطن والأقوام . . وسنجد أحكاما صريحة واضحة في جميع هذه الحالات ؛ التي تكوّن جانبا من مبادئ التعامل في المحيط الدولي . شأنها شأن بقية الأحكام ، التي تتناول شتى العلاقات الأخرى . ونبدأ من حيث بدأ السياق القرآني بالقاعدة الأولية التي يقوم عليها بناء الإسلام كله . وبناء النظام الإسلامي في شتى جوانبه : « اللَّهُ لا إِلهَ إِلَّا هُوَ ، لَيَجْمَعَنَّكُمْ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ لا رَيْبَ فِيهِ . وَمَنْ أَصْدَقُ مِنَ اللَّهِ حَدِيثاً ؟ » إنه من توحيد اللّه - سبحانه - وإفراده بالألوهية تبدأ خطوات المنهج الرباني - سواء في تربية النفوس أم في إقامة المجتمع ، ووضع شرائعه وتنظيمه ؛ وسواء كانت هذه الشرائع متعلقة بالنظام الداخلي للمجتمع المسلم ، أم بالنظام الدولي ، الذي يتعامل هذا المجتمع على أساسه مع المجتمعات الأخرى . ومن ثم نجد هذا الافتتاح لمجموعة الآيات المتضمنة لطائفة من قواعد التعامل الخارجية والداخلية أيضا .